المقريزي

56

إمتاع الأسماع

ركابهم حتى خرجوا منه . وأوضع صلى الله عليه وسلم راحلته . قلة الماء ودعاء رسول الله بالمطر وارتحل من وادي القرى فأصبح ولا ماء معهم ، فشكوا ذلك إليه ، فاستقبل القبلة ودعا - ولا يرى في السماء سحاب - فما برح يدعو حتى تالف السحاب من كل ناحية ، فما رام مقامه حتى سحب عليهم السماء بالرواء . ثم كشف الله السماء من ساعتها والأرض غدر ( 1 ) فسقى الناس وارتووا من آخرهم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أشهد أني رسول الله ! فقال عبد الله بن أبي حدرد لأوس ابن قيظي - ، [ ويقال لزيد بن اللصيت القينقاعي ] - وكان من المنافقين : ويحك ! ! بعد هذا شئ ؟ فقال : سحابة مارة . خبر ناقة رسول الله التي ضلت ومقالة المنافق وارتحل عليه السلام فأصبح في منزل ، فضلت ناقته القصواء ، فخرج المسلمون في طلبها ، وكان زيد بن اللصيت أحد بني قينقاع ، وكان يهوديا فأسلم فنافق ، وكان فيه خبث اليهود وغشهم ، وكان مظاهرا لأهل النفاق ، وقد نزل في رحل عمارة بن حزم ، وعمارة عند رسول الله - فقال زيد : أليس محمد يزعم أنه نبي وهو يخبركم بأمر السماء ، ولا يدري أين ناقته ؟ وأني والله لا أعلم إلا ما علمني الله ، وقد دلني عليها ، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا - لشعب به ( 2 ) - حبستها شجرة بزمامها ، فانطلقوا حتى تأتوا بها ( 3 ) . فذهبوا ، فجاءوا وقد وجدها الحارث بن خزمة ( 4 ) الأشهلي ، كما قال عليه السلام . فرجع عمارة بن حزم إلى رحلة فقال : العجب من شئ حدثناه رسول الله آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه كذا وكذا ! ! - للذي قال زيد - فقال أخوه عمرو بن حزم ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن زيدا هو قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا ! فأقبل عمارة بن حزم على زيد بن اللصيت يجاه ( 5 ) في عنقه ويقول : إن في رحلي لداهية ( 6 ) وما أدري ! ! أخرج يا عدو الله من رحلي ! فقال زيد : لكأني لم أسلم إلا اليوم ! قد كنت شاكا .

--> ( 1 ) في ( خ ) ( غدرا ) ، وغدر : جمع غدير وهو مستنقع الماء يغادره السيل . ( 2 ) في ( خ ) ( لشغب إليه ) . ( 3 ) في ( خ ) ( حتى بانوا ) . ( 4 ) في ( خ ) ( حزمة ) . ( 5 ) وجأ : لكز ووكز . ( 6 ) في ( خ ) ( أراهية )